يُروى في الأثر أن أميرًا دعا الناس من كل أنحاء المملكة للاحتفال بإنجاز عظيم. ازدانت الشوارع بالأعلام، وتحركت المواكب، واصطف الحرس، وانتظر الجميع حدثًا استثنائيًا يبرر كل هذا الحشد وكل تلك التجهيزات. وعندما حانت لحظة الإعلان، اكتشف الناس أن الإنجاز لم يكن سوى مصباح جديد أُضيف إلى إحدى غرف قصر الأمير.
لا تكمن المشكلة في المصباح، فلكل إضافة قيمتها، وإنما فيمن أقنع الأمير بأن هذا الحدث يستحق كل تلك الضجة. هذا بالضبط ما خطر ببالي وأنا أتابع زيارة السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء إلى شركة رشيد للبترول مؤخرا .
وبصراحة، لا أجد سببًا يدعو إلى توجيه اللوم إلى رئيس الوزراء، فمن الطبيعي أن يعتمد رئيس الحكومة على وزرائه في تحديد أولويات الزيارات والفعاليات والرسائل المطلوب توصيلها للرأي العام، لكن السؤال الحقيقي يظل موجهًا إلى وزير البترول والثروة المعدنية:
ما الرسالة التي أردت إيصالها من هذه الزيارة؟
فبحسب ما أُعلن، فإن المشروع سيضيف نحو 160 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز، والرقم في حد ذاته مُرحب به بلا شك، فمصر تحتاج إلى كل قدم مكعب من الغاز يمكن إنتاجه. لكن يبقى السؤال المشروع: في خضم أزمة دفعت الدولة إلى استئجار وحدات تغييز عائمة، واستيراد الغاز الطبيعي المسال، وتدبير مليارات الدولارات لتأمين الإمدادات، هل أصبح إنتاج 160 مليون قدم مكعب يوميًا حدثًا يستدعي زيارة رئيس وزراء دولة بحجم جمهورية مصر العربية؟
وبحسب المعلن، يتضح أن المشروع لن يدخل مرحلة الإنتاج إلا بنهاية عام 2026، أي أن المملكة لم تجتمع للاحتفال بإضاءة المصباح، بل اجتمعت للاحتفال بأعمال تركيب المصباح.
وهنا أعترف أنني ربما لم أعد أفهم قواعد الاحتفال الجديدة. ففي السابق كان الناس يحتفلون عند تحقيق الإنجاز. أما الآن، فيبدو أننا نحتفل بالوعد بالإنجاز، ثم نحتفل ببدء العمل في الإنجاز، ثم نحتفل باقتراب الإنجاز، ثم نحتفل بالإنجاز نفسه عندما يتحقق — هذا إذا صح إطلاق كلمة “إنجاز” على مشروع لإنتاج 160 مليون قدم مكعب يوميًا.
لا ألوم رئيس الوزراء الذي حضر بناءً على ما عُرض عليه من أهمية الحدث، لكنني أتساءل عن المعايير التي أصبحت تُستخدم داخل وزارة البترول — أو ربما عن الدوافع — في تحديد ما يستحق أن يتحول إلى حدث وطني وما لا يستحق.
أما حين يصبح كل مشروع إنجازًا تاريخيًا، وكل إضافة محدودة فتحًا مبينًا، فإن المشكلة لا تكون في المصباح، بل فيمن لا يزال يقنع الأمير بأن المملكة بأكملها يجب أن تحتفل كلما أضاء غرفة جديدة.
بترو مصر نيوز الخبر اليقين
